مقالات إجتماعية

حياتنا .. والعودة إلى الذات العابدة ( مقال فلسفي )

بقلم : 

محمد بن مرضي

رمضان أزف على الرحيل ولازالت عيون المصلين تفيض من الدمع ، والنفوس ملؤها  الروحانيه متطلّعة إلى السماء ولازالت الأيدي مرفوعة إلى خالق الكون تطلب المغفرة والصفح والعتق والقبول ، من هنا وفي ذاتٍ متأملة قضيتها خلال أيام الشهر الفضيل ، خطر في بالي سؤالاً مفادهُ ( متى نعود إلى هويتنا الحقيقية ونبحث عن الحل في ذاتنا العابدة ) ، نحن الذين كنّا أول الراكعين الساجدين العابدين في هذه الدنيا وعلى الأرض ، فهل استقينا من هذا النبع وعدنا نتطلع إلى السماوات التي كان يتطلع إليها أبائنا وأجدادنا ، وهل وقفنا على أعتاب المعارف الإلهية من جديد التي قرأناها في المصحف خلال الشهر الفضيل والتي نسيناها مع عجلة الميكنة والعولمة ، وهل عُدنا صادقين إلى الواحد الذي لايموت ومشينا على أقدام إدريس ونوح وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام وأن كل ما جاؤوا به سمّاه الله في القرآن إسلاماً وهو التوحيد الخالص لله وحده ، وهل طلبنا الحقيقة والصدارة من هويتنا الأصلية الصحيحة وهي القرآن وهل تمثلنا آياته في أخلاقنا وسلوكياتنا وتعاملاتنا ، وهل تركنا تعلقنا بالمادّيات الزائلة إلى الأعمال الباقية التي لن تغيب عنها شمس الله أبداً حتى قيام الساعة .. أيها المخبتون في رمضان .. إن ديننا الإسلامي الحنيف وحضارتنا الزاخرة بكل المعارف والضاربة بأطنابها في عمق التاريخ ، هي الدين والحضارة الوحيدة التي لاتغلق بابها في وجه المعارف العلمية بل وتفتح أحضانها لكل جديد في العلم وتشجع كل التطور الذي يرتقي ويسمو بالإنسان مع المحافظة على الهدف الأساسي لوجوده ، ولاتصادر الدنيا على حساب الآخرة بل تعد أتباعها بحسنات الإثنين ، ولاتدعو إلى التوقع والإنغلاق أو المقاطعة بل تفتح أحضانها لكل جديد نافع مع الطرف الآخر ، ودعوتي هنا في ( العودة إلى الذات ) هي دعوة إلى الهدف الوجودي الأسمى الذي خُلقنا من أجله والذي نحرص على أن نتمثّله في رمضان على أكمل وجه ، وأن تكون حياتنا كلها كما عشناها في رمضان ، وهذا لايعني إنكار الآخر أو الحرب معه أو مقاطعته أو عدم الإعتراف بعلميته وإنسانيته ، وإنما هي دعوة للتواصل مع الكل بالحسنى دون أن نفقد ذاتنا وجوهرنا وإيماننا وقيمنا .. وكذلك أمل الأيام القادمة .. التي بدأت أنوارها تشع لتضيء كل العالم في خطى ثابته وقيم متزنة يقودها رجلٌ حالم واثقٌ بربه ودينه ، هي دعوة إلى الحياة بقيمٍ ومبادئ دينية ، وتراث وحضاة إسلامية عريقة في أجواء وروحانية تتسم بتلك التي نعيشها في رمضان كل عام .. أيها العابدون في رمضان .. إن التوحيد الذي جاء به القرآن هو أعلى العلوم على الإطلاق لأنه التوصيف اللائق لشرف الأولوهية ، وأن العارف ( بالله الكامل ) هو أقوى البشر ، فكونوا كذلك في بقية أيامكم وشهوركم فضيفنا العجول أذن بالرحيل ولازالت النفوس توّاقة والقلوب رقيقة والعيون تفيض من الدمع ، ولكنها أقدار الله فهل تأملناها وعشناها في أيامنا الباقية كما تمثلناها في رمضان .. تقبلني الله وإياكم بقبول حسن وجعلنا الله وإياكم من الفائزين فيه بعظيم الثواب والأجر وبلغنا الله وإياكم فيه أعلى مقامات الدنيا والآخرة وجعلنا الله وإياكم منارةً صالحة يهتدي بها الناس على هذه الأرض المباركة الطاهرة .

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى