مقالات إجتماعية

خسوف القلب .. ودرجات الحُب

بقلم : 

محمد بن مرضي 

يمرّ الإنسان في منعطفات الحياة وهو يتصاعد في مراحل صناعته كإنسان بداية بالطفولة وانتهاءً بمرحلة الشيخوخة ، ولأن الله خلقنا وزيّن لنا كل مافي هذه الدنيا وسخره لنا ، إلاّ أن هناك حُباً من نوع أخر يعتري كل واحدٍ منّا مهما كان جنسه أو لونه أو عقيدته أو عمره ، وقد يتوارى في خبايا الروح وقد يمكث دهراً وقد تكون لحظاته سعيدة خالدة أبد الدهر كلما تذكرناها ، أو عشناها مع من نحب ، ولكن هل سأل أحدٌ منّا يوماً نفسه ما درجة الحُب الذي نكنّه لغيرنا ؟ أي كانت صلته بنا ، وهل الحُب أمرضنا يوماً ما ؟ أيها العاشق المحبّ يحدثني وإياك التاريخ والأدب عن قصص العشّاق والهائمين فتطرب لها أسماعنا وترقص لها قلوبنا ولذلك كان الأدب حلية المجالس وروح أهل الغرام ، ولكنني سأقف هنا على ماهية هذا الحُب ودرجاته ، فسبرت غوراً لأبي منصور الثعالبي أحد كبار أدباء العصر العباسي الملقب بحافظ نيسابور وجاحظ زمانه صاحب كتاب فقه اللغة ، فجالت عيني في كتابه لأقرأ عجباً قاله عن ( الحُب ) ، فصنّفه لعشرة مراتب أولها ( الهَوَى ) وهو ميل النفس إلى الشهوة وثانيها ( الصبّوة أو العِلاقة ) وهوالطيش واللهو من الغزل وثالثها ( الكَلَف ) وهو التولّع بالشيء وشغل القلب به ، ورابعها ( العِشْق ) وهو فَرط الحُب وقيل عُجب المحب بالمحبوب ، وخامِسها ( الشَغَف ) أولى درجات دخول الحبيب إلى القلب وأن يبْلُغ الحب شغاف القلب ويُغلّفهُ وهو الهوى المحرق الذي يسّتولي على القلب من داخله ، ثم يدخل المبتلى المسكين في السادسة وهي ( الجَوَى ) أو الهوى الباطن فيبدأ صاحبها هُنا بحالة المرض والسُقَام ، ثم في السابعة ( التَتَيّم ) ويقال فلانٌ متيّم وهو أن يستعبده الحُب نعوذ بالله من ذلك ، ثم في الثامنة ( التبل ) وهو أن يُمْرِضه الهوى وقد يصل لفقدان عقله ومن ذلك قول الشاعر : بانت سُعاد فقلبي اليوم متبولُ ، ثم في التاسعة يأتي ( التدليه ) وهو ذَهَاب العقل من شدة الهَوى ويقال عنه رجلٌ مدلّه ، وفي العاشرة يكون ( الهُيام ) وهو أن يهيم على وجهه كالمجنون قد فقد عقله تماماً من غَلَبة الهوى والحب فأصبح جسداً بِلا عقل ، تلك هي عشرةٌ كاملة في الحُب ذكرها الثعالبي في كتابه ، وخيرها ما قال عنه الإمام ابن القيِّم ( رحمه الله ) : متى رأيتَ قلبَ الرجل قدْ ترَحَّلَ عنه حُب الله والاستعداد للقائه ؛ وحلَّ فيه حب المخلوق دون الخالق، والرضا والقنوع بالحياة الدنيا، والطمأنينة بها، والسكون إليها فأعلم يقينًا أنه قد خُسف به وبقلبه .

ٓ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

إغلاق