عام

عزاء ومواساة

رحلت يا أبا علي في هذا الشهر الفضيل في العشر الأواخر من رمضان المبارك مساء يوم السبت٢٧/٩/١٤٤٠ للهجرة ليصلى عليك يوم الأحد بعد صلاة العصر بمسجد الراجحي بالرياض حيث سُجى جثمانك الطاهر بإذن الله إلى مثواه الأخير بمقبرة النسيم. يا من كنت صديقا صادقا وفيا أمينا مخلصا وطنيا أبا حنونا عطوفا إنسانا مربيا لذرية مكنها الله لتكون صالحة منتجة بارة من البنين والبنات. يا ابا علي عرفتك وأنا في السنة الأولى من المرحلة المتوسطة عندما كتب الله أن يكون بين أسرتنا واسرتكم صلة رحم من خلال زواج اخيك بخيت من ابنة أخي علي يرحمه الله. كنت وأخواتك تزورون والدي وأخي علي رحمهما الله عندما كنتم تعودون من السفر من الظهران حيث كنت وإخوانك علي ومسفر وسعد يرحمهم الله وحسين وطاهر وبخيت امد الله في اعمارهم تعملون في أعمال متنوعة في المنطقة الشرقية. كنتم تغيبون سنتين وقد تمتد لثلاث سنوات تكدحون وتشقون كغيركم من أبناء جيلكم. تعودون إلى قريتكم الاشتاء ليحتفى بكم بعد الغيبة الطويلة بإطلاق النار في الهواء تعبيرا عن الفرحة والوصول سالمين بعد رحلة قد تمتد اسبوع. تدعون من قبل أهل القرية وغيرها لاستضافتكم وتكريمكم.
تعمقت المعرفة يا أبا علي عندما وصلت أنا وأخي أبو ياسر إلى الرياض في بداية عام ١٣٩٣ من الهجرة لكي أكمل المرحلة الثانوية بينما التحق أبو ياسر ببرنامج الانظمة بمعهد الإدارة العامة .كنت انت واخوك حسين وطاهر قد انتقلتم للعمل من الدمام إلى الرياض في عمل حكومي حيث كنت تعمل بوزارة المالية. لن انس ذلك العام الذي يمكن أن أسميه لم شتات الأسر . لم يكن الوضع يسمح لأن تكون الزوجات معكم بالدمام حيث كانت مرحلة التأسيس وكانت أسرة ممتدة كبيرة. جميع الزوجات بقين مع والدكم بالقرية للعمل بالزراعة. اتذكر وانتم تبحثون عن سكن يجمعكم الثلاثة زوجاتكم وأطفالكم وحصل ذلك بكل الحب والود والاخوة الصادقة. اقمتم مع بعض في منزل واحد لسنوات بكل معنى النقاء والصفاء حتى تمكنتم جميعا من أن تبنوا سكنا خاصا بكل منكم هكذا كان حالي وحال أبي ياسر حيث سكنا منزلا واحدا بعد أن انضمت زوجته إليه وحال الصديق العزيز خضران بن عبدا الله وأخيه بخيت يرحمه الله الذين اكتروا منزلا ليضمهما وزوجتيهما وأطفالهما وهناك الكثيرين. انه وصف لحالة ما قبل نصف قرن تقريبا.
يا ابا علي عرفتك مثابرا حريصا على العلم حيث درست الثانوية وربما المرحله المتوسطة عن طريق الانتساب والتحقت بجامعة الملك سعود كلية الآداب عن طريق الانتساب ايضا أنت واخوك طاهر والصديق خضران بن عبد الله. أما حسين ابو ناصر فكان يدرس منتسبا للمرحله الثانوية. كنتم تعملون طوال النهار وتسهرون للدراسة جزءا كبيرا من الليل. نلتم الشهادات حيث كان تخصصك في التاريخ وطاهر ابا هشام في الجغرافيا اما خضران ابا عبد الهادي ففي اللغةالعربية. ما اجمل تلك الأعوام التي كان فيها نقاء الأخوة والصداقة والود والتعاون ليس بين الاخوة وحسب بل بين الأصدقاء.
أذكر يا ابا علي كيف كنت تشجعني على الدراسة وبذل الجهد عندما كنت واخي ابو ياسر نزوركم في العموم مرتين على الأقل في الاسبوع وتبادلوننا الزيارة حيث لم نكن نبعد عن بعض أكثر من ٣٠٠م . نتسامر ونلعب البلوت لساعة أو ساعتين. كنت خائفا علي إلا أحقق نتائج في الشهادة الثانوية رغم علمك بأنني كنت الأول على منطقة مكة في السنة الثانية الثانوي لكنك كنت حريصا وكان توجيهك لي بكل أدب جم والابتسامة الجميلة. لن ولم انس ليلة عندما كنا نجتمع في مقهى بحي الوزارات الذي كأني به حي المنتزه الآن بالرياض والذي كان يتسع لنحو ٤٠ شخصا وكان ممتلئا وهو المقهى الوحيد في ذلك الحي وفجأة أطل سليمان العيسى يرحمه الله من خلال التلفزيون أسود وأبيض ليتلو اسماء العشرة الأوائل في الشهادة الثانوية للعلمي والادبي. أصغينا جميعا ويالها من من فرحة عندما ذكر اسمي الثالث على المملكة. لقد قمت يا أبا علي وحضنتني ودموع الفرح تتسابق منك ومني قائلا أنت فخرا لنا جميعا. اخجلتني بكلماتك وجمالها هنأني اخوتك والاصدقاء وكل من في المقهى ويكاد يكونون من كل المناطق.
يا أبا علي انت صاحب العبارة الشهيرة التي راجت بين العزابية والمتزوجين والتي خاصة بشهر رمضان وهي ( أن من يفطر فعليه أن يسحر ) لقد كنت واخوتك تستضيفون خلال شهر رمضان غير المتزوجين من الطلبة أو لمن لم يتمكن من ضم زوجته إليه ممن تعرفون. سرى هذا الشرط بكل أريحية وود لدى الأسر وكان شهر رمضان يمر على الصائمين بكل يسر والأجر للمفطّرين والمسحرين.
يا ابا علي لم ارك عابسا في أي يوم الأيام التي قابلتك فيها وما أكثرها وأجملها وأروعها. أنت دائم الابتسامة عند اللقاء. ما أجمل لقاءك. ما أجمل روحك ما أجمل بشاشتك. ما أجمل حديثك الذي لم يكن يُمل على الإطلاق. حديثك وآراؤك وتحليلاتك التاريخية والسياسية عميقة وجذابة. كنت تتمتع بروح الدعابة وحسن السرد للنكات والروايات والأحداث التي مر بها اناس معاصرون أو مررت بها انت شخصيا. كنت تضحك وتغرورق عيناك من الابتهاج. كان جميع المعارف يحرص على تلبية دعوتك ويحرصون على أن تكون أول المدعوين إلى مجالسهم. لقد عملت أيها الوفي الأمين بإخلاص في وزارة المالية بالرياض لتترقى إلى مراتب عليا في السلم الوظيفي. تقاعدت أمينا نزيها بعد خدمة وظيفية فاقت ٤٠ عاما. أقدار الله تمضي وتجري انت رجل صبور محتسب اللهم لا اعتراض عليها . تعرضت لواعكات صحية متتالية والمؤمن مبتلى مذ أكثر من عشرة اعوام ولم تتبرم ولم تيأس. عمليات جراحية عديدة في القلب والرأس لكن مشيئة الله فوق كل شيء. رزقت بزوجة رعت واعتنت واهتمت واخلصت ووفت وبأبناء وبنات بررة احتكاك بدفق برهم أحزانهم وحبهم دون كلل ولا ملل رعاية وعناية بعد الله. عاد أبناك من امريكا لحضور الدفن والجنازة. اخوة احبوك ولم ينقطعوا عن زيارتك والسؤال عنك وأبناء وبنات اخوتك جميعا دون استثناء احاطوك بحبهم والسؤال عنك وزيارتك. الأبناء وبنات عمومتك حرصوا على زيارتك والسؤال عنك. إن كل قرابتك وكذا اصدقاءك ومعارفك وما أكثرهم يودونك ويحبونك وذلك لنقاء سيرتك وسريرتك وصدق مشاعرك. ماذا عساني أن أقول عنك يا ابا علي؟ إن الذكريات والمآثر والمحاسن كثيرة يصعب حصرها هنا يا صديقي لكنني كان لا بد ان اذكر نزرا يسير مما تستحق أن أذكره عنك ايها الفقد الكبير. لا شك انني كنت انتهز الفرص لأعبر عن رأيي تجاه محاسنك في وجودك لكنني هنا بعد انتقالك إلى جوار ربك اضفت القليل.
لا شك ان المصاب جلل والفقد عظيم وأنا هنا بعد أن بلغني انتقالك أيها الرجل الصديق النبيل غرم الله بن محمد بن سعد الزهراني(ابو علي)من قرية الإشتا بمنطقة الباحه إلى جوار ربك انعاك ببالغ الأسى وشديد الحزن معزيا نفسي وكافة اسرتي وكافة أسرة الفقيد زوجةوأبناء وبنات آل العيسى كافة وآل الساهر والأرحام وكافة القرابة والاصدقاء سائلا المولى عز وجل أن يجبر المصاب وان يغبط على القلوب ويعظم الصبر والأجر وأن يجعل الصبر والسلوان هو المهيمن على المكلومين والمحزونين.
ارجو الله أن يوسع نزلك وييسر إجابتك عند السؤال وان ينقيك الله من الخطايا.كما اسأله سبحانه وتعالى الرافة ويغفر لك وان تكون جنة الفردوس نزلك مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. إنا لله وإنا إليه راجعون.

بقلم..الدكتورعبدالله سالم غانم الزهراني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى