مقالات إجتماعيةمقالات الرأي

أطباء العقول .. وجراحة الفكر

بقلم :
محمد بن مرضي
يقال في التراث الهندي ( لا يقاس العمر بعدد السنين , ولكن بما تحفل به السنين من عطاء يثريها ويغنيها ) ، ولم يكن الأديب والمفكر العربي ميخائيل نعيمة ببعيد من هذا القول عندما رأى بأن المجد ليس أن تمشي لغاياتك الأرضية على أكتاف الناس , وإنما المجد أن تحملهم على كتفيك إلى غاياتهم السماوية , فعظمة الإنسان في فكره ، والمعرفة هي الفأس الذي نحفر به أفكارنا , بل إن من أعظم مستلزمات الحياة ومن أوجب واجباتها أن يعيش الإنسان من أجل رسالة سامية يقوم بنشرها للبشرية بكل أطيافها وألوانها المتباينة , ولذلك قال الحكماء أن من أطول الناس حياةً أكثرهم فكراً وأشرفهم شعوراً وأصلحهم عملاً , والإنسان المتوازن هو من ينطلق من قيم راسخة يؤمن بها في تشكيل نسق حياته وتدينه الروحي , وأن تكون هذه الحياة التي بنيت على هذه القيم الراسخة بعيدة كل البعد عن الصوريات الروتينية وعن كل أشكال الصنميات إذا أراد أن يكون قدوة , وحتى لا يكون مداناً في إحدى منعطفات حياته بالاعتذار للبشر أو الانجراف خلف نزعات الهوى فيُضلّه الله على علم .
إننا نحن والعالم اليوم بحاجة إلى عقول منتجة غير مؤدلجة وبحاجة ماسة لأفكار ربانية ملهمة مستقاة من مصادرنا الروحية الأصلية , وليست من أشخاص غير متوازنين أو مكترثين بحياة البشر , لأن هذا العصر هو عصر الأيديولوجيات المتضاربة والمنحرفة وصراع الفكر , مما يمنح العقل والثقافة أهمية قصوى في منظومات الدفاع عن الهوية والوطن والحياة والإنسان والفكر إذا كانت من مصادرها السماوية السامية , إن الثقافة الدموية والظلامية عبر التاريخ هي نتاج عقليات بشرية خرقت سقف الفكر الإنساني واصطدمت بالثوابت وتجاوزت الحدود فظلّت الطريق والمنهج السليم وابتعدت عن كل المهذبات الروحية والإيمانية فأنتجت لنا الظلام الذي مازالت تتخبط فيه الإنسانية والعالم وتعاني مرارته وتذوق ويلاته .
إن دور المسلم الحقيقي ورسالته الوجودية بعد استيفاء العبودية الحقة لله سبحانه وتعالى هو الحراك الحضاري والثقافي والفكري لصناعة الحياة وبناء الأرض وعمارتها بالأمن والسلام والمحبة فيكون بذلك قد حقق الاستخلاف الإلهي بكل إشتراطاته وسننه الواضحة , وأؤكد بأن العالم اليوم بحاجة إلى جراحة فكرية تستأصل منه كل الأورام الفكرية الخبيثة وبحاجة ماسة لأطباء للعقول بقدر حاجته إلى أطباء للأبدان .
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

إغلاق