الأدب والثقافة

نفحات السنين

عبدالله الفهد

أكتب هذا المساء وقد استهللت عقدي الثالث وكنت أفكر وأسبر ما مضى من عمري وفي ما انقضى وكيف سأستقبل ما استبقى لي ، ولم يلبث أن أخذني التفكير جارًا معه القلم وخالطًا حبره بألم هناك إلى مابعد الستين هناك لمُستقبلٍ لا أعلم منه شيئًا ، لأكتب حالي فيه ولأتذكّر ما أنا عليه الآن حينما أبلغ هذا العمر ، أحقًا سأبلغه ياتُرى أم زورًا ما أتمنى ها هنا ، وياهل تُرى على أي حالٍ سأكون إن بلغته ! وكيف قلمي حينها بل كيف مُحرّك القلم وقتئذ ، فكفى بالمرء جهلًا أن لايستطيع استشراف مستقبله وخُلق الإنسان جهولًا وكفى به ضُعفًا أن لايقدر على استرداد ماضيه وجُبِل ضعيفًا وكفى به حسرةً إذا مضى به على غفلةٍ منه قطار العُمر ولم يستدرك منه ما يفخر به في دُنياه وما يرضاه إن قابل في الآخرة مولاه. أطال الله أعمارنا على طاعته وعلى نعمة منه وعافية وجعلنا من العابرين خفافًا كفافًا لا نُثقل ولا نستثقل وغفر لنا ما قدّمنا وأخرنا.

وقضيت تلك الليلة مُطرقًا واجمًا أتفكّر وأحاول أن أعيش ذلك العقد وأين أنا فيه من المجد لو أني لم أفترش اللحد فكان هذا الذي كتبت.

كم أنا مُتشوّق لرؤية مكتوبي هذا بعد أربعة عقود من تحريره رغم أني أعلمُ يقينًا بأني سأكون حزينًا حينها حزنًا أشدُّ من هذا الشوق المتطفّل لا أتنبأ بمستقبل مُحزن ولكن حسبي من الحُزن أنّ ماكنُت عليه قد تحوّل واحتمل أحداثه وتفاصيله وارتحل وأدبر باتجاه الماضي وأقفر ولن أستقبل من عمري أكثر مما استدبر ، وكيف لي ألّا أحزن وكل جميلةٍ من لحظات أيامي قد تقادم عهدها ولا أملك عندها أن أستذكرها على طريقة آنس بها كيف لا أحزن وكل قبيحةً من الماضي عظُم ودّها وتمنيت ردّها كيف لا أحزن على الآمال وقد صارت أطلال بعد عقودٍ وأجيال ومابقي غير استيفاء الآجال كيف لا وقد تجعّدت يداي اللتان سأبحث بهما عن هذا المقال الذي كنتُ قد كتبته وهيَ سليمتان ! كيف لا أحزن وقد عشى بصري وغبش نور ظُهْري ولن أستيطع أن أقرأ ماكتبت إلّا بمصاحبة نظّارتي تلك الصديقة الحميمة التي لم يكُن مُرحب بها في بادئ الأمر غير أنها لازمتني حتّى ألفتها وما ألفيت بدًا عنها ولا مندوحة ، كيف لا أحزن وهذه عصاي بيميني أهش بها ماسلف من عُمري وأتوكأ بها على مابقي كأني أُوّتده في الأرض لأستثقله فلا يأبه بي ولا ينتظر. ألا ليت شعري لو ألقي نظرةً على هذا المستقبل المُحزن وحسبي من الفضول نظرة لا أطلبُ غيرها تعينني على تدارك سعادتي واستغلالها وتصبّرني على أكداري وأغلالها وإنّ لأعلم أن صروف الأيام ونكباتها العظام لتُنسي المرء تجاعيده وتعزّيه في فقيده ولكنّه سلوان يحتاج إلى سلوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق