الأدب والثقافة

وقفة تأمل

عبدالله الفهد

إن من الأمور التي نتبرّم منها ونضيق بها ذرعًا كوننا وُجدنا في هذا العصر والتي بسببها نتشوّق ونتوق إلى العيش في زمن غير هذا من أزمنة الماضي الهادي العتيق هو سرعة هذا الزمان وضوضائة وصخبه وعجزنا عن إبطائه.

وفي هذا العالم الافتراضي تتخطفنا التنبيهات وتشوّش علينا الإشعارات حدّ أننا نعيش في دوامة ذهول مُطبقة بكلكلها على كل محاولة للهروب نحو الهدوء، فبينا نحن نتصفّح الهاتف الجوّال فإذا بهاتفٍ جوال في عالمنا غير الافتراضي ينادي من هنا فنعطيه ربع التفاته ونصف أذن وما أن نحاول أن نلوي له حتّى يتدلّى إشعار فما نكمُل انتباهتنا له حتّى يُشع وميض تنبيهٍ كالبرق الخُلّب فيذهلنا عن ما نحن فيه ولا يأخذ الذهول حقّه من الذهول حتّى تصرفنا رسالة من هنا في إطار العمل وتتدلى من هناك رسالة عن بعض الالتزامات ولا تُكمل التدلّي حتى تلحقها أخرى في موضوعٍ مغاير فموعظةٌ من هنا ومن هناك مباركة ومن هنا تعزيّة وبشرى من هناك.

ولاشكّ أن كل هذه التداخلات الزمانيّة والتقاطعات المكانيّة المهرولة أو العادية تؤثر بشكل أو بآخر ضمني ومباشر على إنتاجيّة إنسان هذا العصر وعلى ذهنه وتحليلاته واستنتاجاته وعقّدت من إمكانيّة التنبؤات وسبل اتخاذ القرارات ثم إن تفكيكيّة ما بعد الحداثة لم يكن بوسعها إلّا أن تتمخّض عن هذا الوقت المتسارع والنمط المنغمس في عالمه الافتراضي والذي بدوره حوّل الإنسان إلى “إنسآلة” يجدّ ويجهد في نطاقٍ ضيّق منعزل تمامًا عن كل ما ينفك عن عالم المادة لا يبحث ولا يتساءل حتّى إذا ما جاءت “التشكيكية” نسفت كل الأراضي الصلبة التي كان يقف عليها ثم لا يجدُ إلى الثبات سبيلًا. 

 كما أثّرت السرعة المعلوماتيّة والتكنولوجيّة على المجتمعات فسارعت الأحداث وقاربت بين المهود والأجداث فها أنت ترى هذا الإنسان العصري منذ أن يولد يرتبط ارتباطًا وثيقًا مع عالم موازٍ يسهل فيه التواصل وتتعدد فيه العلاقات دون أن تتعمّق فتبقى طافية على سطح المنفعة حتّى تتعطل لدى هذا الإنسان نعمة التفكّر في النفس البشريّة وخوالجها فهو لا يجدُ ما يُثير تساؤلاتها ولا يرى تعدد السلوكيات والأنماط لأن حدود معرفته تتوقف عند منفعته السطحيّة وفي نفس هذا العالم الموازي تتقارب الأماكن وتسرّع المواصلات الحديثة وصوله إلى المكان المُبتغى وهذا الأمر ليس سيئًا على إطلاقه لكن تأمل كيف أن هذا المسافر يقطع مسافات شاسعة فيتنقّل من دولة إلى أخرى بل يتنقّل بين القارات ويجوب العالم أجمع وهو لا يرى في رحلته هذه إلّا السقف الداخلي للطائرة أو خلفيّة مقعد أمامه وإذا كان يتنقّل بالسيّارة فهو لا يرى إلا طريقًا ممتدًا ليس في تصميمه كبيرُ اختلاف بين مختلف الدول والقارات بينما كان هذا الإنسان إذا أزمع السفر وقطع المسافة ذاتها يمرّ بتضاريس شتّى فيتفكّر. ويمرّ بوعورة ثم سهولة فيصعد ويهبط فيتأمّل، ثم يمرّ بالمروج والقفار فيرى الخضرة في مكان والصفرة في آخر فيجوب البيداء ويتساءل ثم يركب الدأماء ويتساءل وتطوف عليه الدهماء ويتساءل.

وإن أحوج ما يكون له الإنسان العصري الذي يتحوّل تدريجيًا لآله هو أن يستقطع بعضًا من وقته ليمارس فريضة التفكير وعبادة التأمّل والتفكّر فيرقب شروق الشمس ويمعن التفكير في بزوغ القمر ويتأمل في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابة وتصريف الرياح المسخّر بين السماء والأرض. ويديم النظر والاستغراق في آيات الله الكونيّة والقرآنيّة

ويحض الله عباده على هذه العبادة باستفهام توبيخي فيقول عزّ من قائل : (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)

ثم إن هذه الآيات نزلت في عصر كان الناسُ فيه أصفى ذهنًا وأنقى لُبًا ولنحن أحوج إذا منهم.

وخليق بالإنسان أيضًا أن يتأمل في الآلات والأجهزة -على الأقل تلك التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا في حياته- فينظر للمركبات الطيّارة والسيّارة والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وغيرها ويطرح تساؤلاته ليعرف مبادئ نشوئها.

وإن أقرب الناس للحق وأقومهم رأيًا وأحصفهم قرارًا المتجرّد منعمُ النظر ممعنُ التفكير.

 فالكتبُ من غير تفكّر فيها وتفحّص ماهي إلّا أوراق مُسطّرة لا تزيدُ قارئها إلّا تضييعًا للوقت والجهد ولا يستعان بها للبحث عن الحق ثم إن التفكّر يتطلب جهدًا وجلدًا ومن أجل ذلك ندر من يتصدّر لهذا الشرف ولذلك أيضًا كثرُ القرّاء وقلّ المفكّرون. 

ثم إن الطبيعة كتاب وعلائق الناس ببعضهم كتاب وتجارب الدنيا كتاب يُستزاد منها بقدر ما يُرجى من الأسفار والزبر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق