مقالات إجتماعية

الجائحة.. ونظرية الظروف الطارئة

نظراً لما تتعرض إليه دول العالم اليوم من ظروف استثنائية بسبب انتشار فيروس كورونا بها وما يسببه ذلك على الصحة العامة والتي تصل الى حد ازهاق الأرواح وحصدها ونظرا لخطورة هذه الظاهرة فقد وصفتها منظمة الصحة العالمية (بالجائحة) ونظرا لتلك الظروف الاستثنائية والتي لم تعهدها بلادنا من قبل كل ذلك كان سبباً لحكومة خادم الحرمين الشرفين في اتخاذ التدابير الوقائية لدفع الضرر عن النفس وحفاظاً على صحة وحياة المواطنين والمقيمين بها وهما من المقاصد التي كفلتهما أحكام الشريعة الإسلامية، وقد تؤدي هذه الظاهرة بما لايدع مجالا للشك إلي ركود قطاعات استثمارية عديدة وتتأثر تبعاً لذلك الروابط القانونية والتعاقدية منها فيما يرد بها من التزامات ترهق أصحابها على تنفيذها أو تعرضهم لخسائر جسيمة وفادحة  ومن منطلق واجبنا المهني كتابة هذا المقال للحديث عن نظرية الظروف الطارئة من الناحية الشرعية والنظامية وأمثله لتطبيقاتها وشروط العقود التي تطبق عليها.
– الأصل أن القاعدة (العقد شريعة المتعاقدين) حيث لا يجوز لأحد أن يستقل منفرداً بإلغاء أو تعديل العقد أو يتحلل من التزاماته التي وجدت نتيجة تعاقده بإرادته الحرة، كما انه ليس للقاضي ان يعدل أو يلغي ذلك بدون رضاء المتعاقدين طالما استوفى العقد شروطه الشكلية والموضوعية وهو ما يعرف (بسلطان الإرادة) والاستثناء من ذلك الأصل إذا توافرت الأعذار أو تغيرت الظروف نتج عنها اختلال اقتصادي مما يجعل تنفيذ الالتزام الوارد بالعقد مرهقا أو مضراً بإحداهما ففي هذه الحالة ينبغي تعديل العقد إلى الحد الذي يرفع به الضرر أو فسخ العقد حسب طبيعة الظروف وطبيعة الالتزامات الواردة به وفيما يحقق مصلحة أطراف التعاقد وفقا للقواعد الشرعية ومنها( لا ضرر ولا ضرار) و(الضرر يزال )(والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)و(الضرورات تقدر بمقدارها) وغيرها من القواعد الكلية التي تجيز تغير العقود وتعديلها، وقد عرف القانونين الظروف الطارئة بأنها(حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت انشاء العقد وتطرأ عند تنفيذه وتجعل تنفيذه وإن لم يكن مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعاً لذلك أن يرد الالتزام إلى الحد المعقول) فقد استدل القانونيين على هذه النظرية من فقهاء الشريعة فقد نشأت نظرية “العذر” في المذهب الحنفي فقد أجازوا فسخ عقد الإيجار للأعذار الطارئة وفي الفقهين المالكي والحنبلي ما يعرف بـ “نظرية الجوائح” ولتطبيق قاعدة الظروف الطارئة يشترط في الحادث الاستثنائي أن يكون عاما وغير متوقع وان يطرأ بعد انعقاد العقد وقبل أو اثناء تنفيذه ويؤدي إلي جعل تنفيذ التزام المدين مرهقاً أو يهدده بخسارة جسيمة أما بالنسبة للعقود التي تسري عليها نظرية الظروف الطارئة هي كافة العقود سواء كانت ذات صفة اعتبارية كعقود المقاولة العامة مع جهة الإدارة وغيرها من العقود الإدارية الأخرى أو كانت عقود ذات صفة طبيعية أو شخصية وعلى سبيل المثال لا الحصر عقود الإيجار أو عقود العمل.
ومن التطبيقات المعاصرة لذلك قرار مجلس الوزراء السعودي عام 1956م بتعويض أحد المقاولين السعوديين عن الخسائر التي تعرض لها لارتفاع اسعار خامات مواد البناء لثلاثة اضعاف اثناء تنفيذه عقد مقاولة بمدينة الدمام وذلك بسبب غلق قناة السويس أثر العدوان الثلاثي على مصر ، وكذلك من المبادئ الشرعية  والنظامية التي أقرتها لجنة تدقيق القضايا بديوان المظالم خلال عام 1400هـ صــ3 قرار رقم 1/ت جلسة18/2/1400هـ في القضية رقم129/ق لعام1398هـ(إذا حدثت أثناء تنفيذ العقد أو طرأت ظروف لم تكن متوقعة عند إبرام العقد فقلبت اقتصاديات وكان من شأن هذه الظروف أو الأحداث أنها لم تجعل تنفيذ العقد مستحيلاً بل أكثر عبئاً وأكثر كلفة مما قدره المتعاقد عن التقدير المعقول فنشأ عنها خسارة جسيمة تجاوز في فداحتها الخسارة المألوفة العادية ألتي يتحملها أي متعاقد فأن من حق المتعاقد المضار أن يطلب من الطرف الأخر مشاركته في الخسارة التي تحملها فيعوضه عنها تعويضاً جزئياً).
وختاماً أتمنى أن أكون قد وضحت بعض المفاهيم النظامية والشرعية المرتبطة بالأحداث الراهنة ونتمنى من الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل مكروه وسوء

المحامي حمد بن راشد الفهيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق