مقالات إجتماعية

نفسية المجتمعات .. بين الوباء والعُزلة

بقلم :

محمد بن مرضي 

كل شي انقلب رأسا على عقب في أيام معدودات ، تصلبت شرايين الحياة ، وتقطعت السبل بين البلدان في عالم كان يوصف بأنه أصبح قرية صغيرة ، وأصبح الذين ظنوا أنهم قادرون عليه وعلى إدارته أمام معضلة تاريخية بشرية عظمى ، ووجدوا أنفسهم أمام أرقام  مهولة من الإصابات تجري إلى أعلى بلا مستقر لها ، وإذا بهم فجأة بين جدران موصدة ، فأقيمت الأسوار والحواجز حول الدول وتباعدت المسافات ، وأصبحت كل دولة منشغلة بجسدها المتمدد على الأرض إعياءً ، وعرف كل إنسان عاقل على سطح الأرض أن المسافة بينه وبين من يجلس على مقعد يهتز بقارة أخرى ، أقرب إليه من طرف أنفه أو موضع قدمه بل أصبح يشكل تهديداً خطيراً على حياته وحياة مجتمعه .

وفي ظل هذا أصبحت العزلة فضيلة الفضائل ، فكل معتزل يمنع جسده من أن يكون جسراً ينتقل عليه الأذى ليبلغ غيره ، وأصبح كل منطوٍ أو متوحد مع نفسه شخص عظيم ، لأنه وضع إرادته في اختبار صعب وقاسِ لا يقوى عليه سوى كبار الزاهدين في الدنيا .. والعجيب أنه قبل الحجر المنزلي الإجباري لنصف سكان الأرض وقبل قوانين الحظر العالمية ، كان الناس يعتقدون أن العُزلة مرض وينظرون إلى الانطوائي بأنه أناني يبخل حتى بالكلمة ويملأه زيف الشعور بالإكتفاء الذاتي ولكن الغيب يأتي بما لا يخطر في الحسبان ويدحض ما كُنا نعتقد .

إنها حقيقة رهيبة لم تواجهها الأجيال التي عاصرت الأهوال ، وتدرك أن كل ما مضى لا يساوي شيئأ أمام عدو لا يرى بالعين المجردة ، وأستطاع أن يوقف كل الأشياء في العالم التي ظن أهلها أنهم قادرون على التحكم في هذا الكوكب ، بل أصبح البشر من شرق الأرض إلى غربها مختلفين فهم أمام وباء واحد ونفسيات متعددة ، فمنهم الخائفون الذين هم على شفير الوساوس القهرية ، ومنهم اللامبالون إما خوفاً مما هو أشد أو تبلداً في مشاعرهم ، وهنالك القدريّون الذي عقلوها وتوكلوا وهم يعلمون بأن القدر لا يحابي المقصرين في الأخذ بالأسباب ، وهنالك المغرورون الأنانيون الذين أخطأوا في حق مجتمعهم وكانوا سبباً في انتشار العدوى ، وهناك الواهمون الذين لايزالون يعيشون في ظل نظرية المؤامرة .

ولكن الحقيقة المؤلمة التي تدير ظهرها للجميع هي أن الفايروس هو من يتحكم في مفاصل الحياة الحالية وهو صاحب الكلمة الأقوى حالياً حتى يأذن الله له بالرحيل ، والمتأمل في رحلة البشر الطويلة يجد أن الأرض لم تمض دوماً آخذة زينتها وزخرفها بل ضربتها العواصف والفيضانات والبراكين والزلازل وتتابعت الأوبئة على مر القرون وحروب لم تتوقف ونزاعات وكساد وركود وظلمات بعضها فوق بعض يكتبها الله على من يشاء ويرفعها عمن يشاء بأمره .

فتكون الحاجة الماسة في وسط هذا الهول العظيم هي أن نكون منعزلين ومتضرعين إلى خالقنا بأن يرفع الله عنا هذا الاختبار الذي سقطت أمامه قدرة البشر الضعيفة ، وأن تكون أسراب الجنائز التي تمضي أمامنا كل يوم إلى المقابر كفيلة بإعطائنا دروس وعبر ، وأن هذا الوباء يحصد الرؤوس كما يحصد الخريف أوراق الشجر والسؤال هل سيولد مجتمع عالمي جديد أكثر سوية من رحم هذه الحرب ضد هذا الوباء أم أنه سيعود في غيّه يعمه وتعود دارة الطاحون كما كانت ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق