مقالات إجتماعية

ليسوا وصمة عار .. هم عز وفخر

دخل الشيخ إبراهيم  مسرعا الى مكتبه الواسع  وكان على عجالة من أمره ,, توجه الى طاولة مكتبه الخشبي المحفور بأفخم الأشكال الهندسية ذات الطابع الأندلسي الفريد ,, خلع مشلحه الأسود المطرز بالخيوط الذهبية ثم جلس على كرسيه المكسو بالجلد الأخضر المميز ,, فتح جهاز الحاسب الآلي ليبدأ بالعمل على معاملاته المتأخرة فقد يخسر صفقة كبيرة بالملايين لو لم ينجزها فورا .
فجأة نظر نظرة سريعة على أرجاء مكتبه وتفحص زواياه وإذا به يجده وقد غطته ذرات الغبار وأوراقه متناثرة هنا وهناك ,, وقف مذهولا مما رآه وشعر بأنه يفتقد شيئا مهما ؟!!!
حدث نفسه قائلا ” أين أبو محمد  فراش المكتب الذي كان يستقبلني يوميا حاملاً حقيبتي ؟!! لماذا مكتبي بهذا الإتساخ ؟!! فأبو محمد لم يترك يوماً مكتبي بهذا الشكل ؟!!
رفع سماعة الهاتف محادثا مدير مكتبه قائلا  ( هاني أين أبو محمد ؟ لماذا لم ينظف مكتبي ؟ وأين قهوتي لم تحضر إلى الآن ؟! إخصم عليه فورا لإهماله فهؤلاء الناس لا يجدي معهم سوى الحزم والشدة ,, ألا يكفي أني أشفقت عليه ووظفته !! ) رد هاني بصوت غلب عليه الحزن والتأثر  (  يا شيخ إبراهيم أبو محمد يرقد في العناية المركزة من ليلة أمس وحالته سيئة ) نظر إليه الشيخ إبراهيم بعصبية وإستغراب مؤنباً إياه ( ولماذا لم تخبرني بذلك ,, حتى نوظف شخصاً آخر ليقوم بعمله فما أكثرهم المحتاجين ,, يومياً يتهافتون على مكتبي وأطردهم ) ,, رد هاني بإنكسار ( أترى سعادتك أن تقوم مع وفد من الشركة بزيارته ؟) إلتفت الشيخ إبراهيم إلتفاتة ذعر منها هاني ثم قال له ( أأنت مجنون ؟!! ومن هو حتى أزوره أنا ,, هو مجرد فراش ,, قم بزيارته أنت ويكفي ,, أو إبعث له باقة ورد فقط )
هذا المشهد يمر علينا شخصيا أو نسمع عنه في العديد من المواقف الحياتية فأبو محمد الفراش ,, ويوسف النجار ,, وعيسى السائق ,, وزيد موظف الإستقبال ,, وسعود عامل البناء , والميكانيكي والسمكري والحارس ورحل الأمن وغيرهم من أبناء وطننا الذين لم يرتضوا أن يكونوا عالة على المجتمع لكن أرادوا الإعتماد على أنفسهم وكسب قوتهم بعرق جبينهم مهما كانت تلك الأعمال بسيطة بالرغم من أن الكثير منهم يحمل شهادات عليا لكن لم يجد وظيفة مناسبة لتخصصه ,, لكن ثقافة العيب في مجتمعاتنا العربية ونظرتهم الدونية لمثل هذه الأعمال جعلت شبابنا يعزف عن العمل بها إلا من رحم ربي  ,, فقد ترسخت في مجتمعاتنا الكثير من القيود والحواجز لتقبل تلك المهن بل وسادت نظرة التعالي إليها وإلى الأشخاص الذين يمارسونها ,, رغم حاجة المجتمع لها لدرجة أنهم قد لا يستطيعون الزواج بل ويرفضون عند التقدم لأي فتاة وكأنه ليس من حقهم ذلك ,, ولماذا نذهب بعيداً ,, فنحن نفرغ صدور المجالس للأشخاص ذوي المناصب والجاهات ونركن ذوي المهن البسيطة بالخلف وكأنهم وصمة عار .
فحتى يتقبل المجتمع هذه المهن وأصحابها يجب علينا كسر هذه الحواجز وتغيير الإتجاهات السائدة عن طريق التوعية الثقافية والإجتماعية لتصحيح المعادلة وإعادة التوازن بين فئات المجتمع وذلك بتعاون جميع الجهات وبالأخص وسائل الإعلام لما لها من تأثير كبير وفعال .
يجب علينا إحترامهم وتقديرهم ودعمهم ,, فكل منا مهم في مكانه ,, لماذا لا نحاول الإستفادة منهم وأن نتعلم من إصرارهم وتحديهم للحياة وللعادات والتقاليد ؟! تخيلوا كيف ستكون الحياة دون هؤلاء الأشخاص البسيطين ؟! والله لن نشعر بهم وبأهميتهم حتى نفقدهم ونعرف مدى أهمية ما كانوا يقومون به لأنهم فخر وعز وليسوا وصمة عار

إدارة الموقع

نبذة عن ادارة الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى