مقالات إجتماعية

لا تكن مثل نوح بن أبي مريم

كلما أتت لى رسالة دينية أو دعوية على تطبيق المحادثات واتسآب ويكون ختامها.. “إذا لم تنشرها أصابك كذا وكذا”.. فى لحظتها أتذكر نوح بن أبى مريم.

ونوح هذا كان يعيش فى زمن أبى حنيفة النعمان، وقيل فيه وعنه الكثير، فقال عنه يحيى القطان: “ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير…”، ويحي القطان يقصد بالخير فى الجملة زهد نوح، لأنه كان رجلًا صالحًا ذكيًا ذا ثقة عند الأهل والجيران والعامة من الناس.

وفجأة قرر نوح بن أبى مريم “الرجل الصالح” أن يقرب الناس إلي القرأن.. فاخترع أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أى أنه تقول علي رسول الله وكذب عليه.. فأحضر محبرته وبدأ يكتب عن فضائل سور القرأن الكريم، من أول سورة الفاتحة حتي وصل إلى سورة الناس.

فجلس يكتب ويكتب ويقول إن قراءة سورة كذا لها فضل كذا، وقراءة سورة كذا لها فضل كذا.. حتي ختم المصحف الشريف كاملا، وأصبحت أمام كل سورة فضل قراءتها.

ولما اجتمع به العلماء وأصحاب العقول النيرة الواعية فسألوه: “من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة.. فقال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن اسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة”.

هكذا رد نوح بكل بساطة وقلبه مطمئن بأن ما فعله هو عين الصواب.. بل اعتقد أنه سينال الخير والثواب الكبير نظير فعلته الشنعاء تلك، ورغم تأكيد العلماء عليه بأن من يكذب على رسول الله ويقل شيئا لم يقله رسول الله فليتبوأ منزلته من النار.. حينها رد نوح بن أبي مريم: “كذبت له ولم أكذب عليه”.

وما فعله نوح بدافع الخير، يفعله البعض هذه الأيام بنشر واختراع أحاديث لم يقلها رسول الله صلي الله عليه وسلم.

أتخيل أحدهم في عصرنا الحديث هذا يجلس ويتقمص شخصية نوح ثم يبدأ في الكتابة على هاتفه المحمول عن فضل من يبشر بقدوم الساعة الأولى والدقيقة الأولى من شهر شعبان، أو رمضان أو ذو القعدة.. وعن فضل من أرسل 10 رسائل خلال ساعة إلي 10 أصدقاء.. وعن جزاء من يرسل 20 رسالة ليلية عند اكتمال القمر.. وقبل أن يزول المد البحرى الاستوائي.. وهكذا.. ظانا منه أنه يفعل الخير ويذكر الناس بالقرأن والسنة.

تري كم حديث ضال مضل يصلنا يوميا فيه كذب على رسول الله؟! والغرض تذكير الناس بالخير.. لكنه في الحقيقة تدليس وكذب.

وكم رسالة تهنئة تصلنا يوميا عبر وسائل التواصل الاجتماعي خاصة تطبيق واتسآب فيها من الأمور غير المنطقية أكثر من الأمور المنطقية؟! كأن يصيبك مكروه إذا لم ترسل نفس الرسالة إلي 29 شخصا.. ولا أحد يعرف لماذا 29 شخصا حتي الآن.. كذلك رسائل من بلغ الناس بكذا فله فضل كذا.

نوح بن أبي مريم يعيش بيننا هذه الأيام.. ولا يخلو يوم إلا ويصلك إنتاج أقرانه وأخواته في العصر الحديث.. فتأكد جيدا وأعد التفكير ألف مرة قبل أن تعيد نشر وإرسال بعض الأحاديث التى تأتيك على واتسآب وما يشبهه.. حتي لو انتهت بالجملة الشهيرة “سيصيبك مكروه إذا لم ترسلها إلى عشرة أشخاص”.

إدارة الموقع

نبذة عن ادارة الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى