مقالات إجتماعية

صناعة التطرف

الإرهاب هو الابن الشرعي للتطرف ، وندرك تمام أنه ليس من المنطق في أي دين أوعقيدة يكون الدم مستباحاً فضلاً عن قدسية وحرمة المكان ، مكة المكرمة أطهر بقاع الأرض كما أخبرنا بذلك القرآن وتواترت الأحاديث الشريفة ، فالله جل في علاه كفل حمايتها وحفظها من كل سوء ومكروه وأوكل لها ملائكة على أبوابها تحرسها ، ليس هذا مدار حديثي فالجميع يعلم تماماً هذه المقدمة وقد يطرحها بلغةٍ أفضل مما قيل ، الأمر هنا يدور حول صناعة التطرف الذي يولّد لنا إرهاباً ، وكيف نشخص الواقع من الجانب العلمي والنفسي ، الأمر الذي تخطى كل الحدود وأستحل حرمة المكان والزمان والدماء ، يحدثنا العلم فضلاً عن ما تلاه علينا التاريخ من قصص ، أن فيما مضمونه من نتائج البحوث النفسية والتجريبية على عدد من المجرمين والإرهابيين بأن هناك تقنيات عالية جداً تستخدمها المنظمات والجماعات في إختراق العقول والسيطرة على الأتباع وأن هذه التقنيات غير عادية وتحتاج لإمكانات وأشخاص يمتلكون مهارات غير عادية للتحكم في العقول وتغيير المسارات الفكرية وغسيل الأدمغة ، ولنا في التاريخ قصة هابيل وقابيل أسوة بما ذكر عندما أستطاع الشيطان أن يخترق عقل قابيل فوسوس له ، فظهر لنا أول أزمة فكرية لقابيل كونت معتقداً خاطئاً تجاه أخيه هابيل فقتله ، وإن كان الأمر قدراً وحكمة إلاهيّة إلا أنه مدعاة للتعريض والتشبيه به فيما هو حاصل الآن ، ويسوق لنا الصحفي الأمريكي إدوارد هانتر من منتصف القرن الفائت الذي أصبح مهتماً بعلم النفس فيما بعد ، أن الجنود الأمريكان الذين وقعوا في الأسر في الحرب الفيتنامية تعرضوا لما سماه بـ (غسيل أدمغة ) وكان هو أول من سكّ هذا المصطلح الذي تعارف عليه فيما بعد ، وكيف أنه تم تعريضهم بصورة مستمرة متآزرة بصرياً وفكرياً لمبادئ وأفكار مخطط لها بعناية فائقة تألبهم على دولتهم وترسم صورة سوداوية نحوها في عقولهم وتوهمهم بتخلي دولتهم عنهم وتصورها بأنها معتدية ومارقة حتى تكونت لديهم بما سماه بالأفكار الشيطانية الراسخة ، وهذا مانستطيع أن نطلق عليه بإعادة التشكيل الإيديولوجي الفكري للشخص أو ( التدمير الفكري ) بمعنى أصح ، كما إستخدم عالم النفس الهولندي جوست ميرلو مصطلح ( قتل العقل ) للتعبير عن عملية غسيل الدماغ مشيراً إلى أن العملية توجب خضوعاً لا إرادياً ، وتجعل الناس تحت سيطرة نظام لا تفكيري وأعمى ، الحديث في هذا يطول ولايسعه مقالاً واحداً بل من الخطأ قول ذلك ، فهناك علم قائم لدراسة سلوك الجريمة وكذلك علم النفس الجنائي ، ولكن مايجدر الإشارة إليه بأن هناك عوامل مساعدة لصناعة التطرف والإرهابيين بالإضافة لماذكرناه سابقاً ومنها العوامل الداخلية مثل العمر والجنس والمرض والتكوين العضوي والعقلي والأمراض النفسية وإدمان المخدرات ، وأخرى خارجية من ضمنها الثقافة والمستوى الإقتصادي المنخفض جداً ، والبيئة الأسرية المضطربة ، وجماعة الأقران والخبرات الصادمة والسيئة في مراحل العمر ، وهناك العديد من العلماء ودراسات عبر ثقافية عالمية ( أي أنها في مجتمعات غير عربية وثقافات متنوعة ) ذهبت إلى أن سلوك التطرف والجريمة لا يخرج عن ماذكر مع تركيزهم على الفقر والبطالة ومستوى الذكاء والتي يعتقدون بأنها البوابة الذهبية والرئيسية التي يستطيع أن يخترقهم نخاسوا الأدمغة وقاتلوا العقول من خلالها .

لايوجد شي أخطر من الإرهاب المسلح .. سوى الإرهاب الفكري ..
محمد بن مرضي |‬

إدارة الموقع

نبذة عن ادارة الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى