مقالات إجتماعية

حقيبة الكنز

محمد موظف متوسط الحال يعمل كاتباً بإحدى الشركات متزوج ولديه أربع أطفال ,,  راتبه الإجمالي الذي لا يتعدى الخمس آلاف ريال لا يكاد يغطي مصروفاته الكثيرة ومتطلبات زوجته التي لا تنتهي ,, ومتطلبات العيش الرغيد الذي يطمحون له .

دخلت ليلى زوجة محمد البيت تتأفف من الحر الشديد ,, وتلعن الأجواء السيئة التي إكتملت بالظروف المادية التي أسمتها بالفلس _ فشهر شوال أصبح طويييلاً جداً وكأنه قرن من الزمان والرواتب لن تنزل قبل عشرين يوماً _ مع العلم بأن _ ليلى موظفة وتعمل إدارية بإحدى المدارس الحكومية وتتقاضى راتباً  ضعف راتب محمد _ ,, إستقبلها محمد بنظرة هادئة وكأن شيئاً لا يحدث أمامه ,, فعصبيتها التي كانت تحرق البيت بمن فيه من ضرب الأولاد دون سبب وشتم الخادمة والصراخ بلا وعي ,, كل هذا وهي تقول ” لم أعد أحتمل هذا الوضع ,, إنحرجت امام زميلاتي بالعمل ولم أستطع دفع الـ ( القطة ) لزواج عبير ,, لا يوجد بحقيبتي سوى مئة ريال فقط  ,,  وانت حتى مصروفاتي البسيطة أنا وأولادك  لم تستطع توفيرها لنا ,, باقي عشرون يوماً على الراتب وأنت تتفرج علينا  !!

كان هذا الموال اليومي الذي يسمعه محمد كل يوم فيتكالب عليه الحزن والهم وتخنقه العبرة ولكنه رجل لا يستطيع البكاء حسب العادات والتقاليد  ,, فقد تعب من الرد والمناقشة عليها فأصبح يتركها تصرخ حتى تتعب

جلس محمد يسترجع حياته ,, تعاملاته ,, مصروفاته ,, ثم سأل نفسه ” من المسؤول عن هذا الوضع الذي أنا فيه الآن ؟! فراتبي خمسة آلاف وراتب زوجتي ضعفه !! أين ذهبت رواتبنا ؟!! ,, رجع بالذاكرة لمنتصف شهر رمضان حيث بدأ موسم التسوق فالعيد قادم تذكر الملابس الكثيرة التي إشتراها له ولعائلته ولم يلبس منها إلا الربع ,, وتلك المصروفات التي ذهبت على المطاعم ودعوات الأصدقاء حتى لا يقولوا أنه بخيل أو فقير ,, فكان كل يوم من فندق لمطعم لملاهي ,, حتى إنتهى راتبه في الأسبوع الأول من شوال  ,, ثم تملكه الحزن حين تذكر راتب زوجته الذي ذهب على المشاغل والمكياج الذي طلبته من أفخر الماركات العالمية فكيف تضع مكياجا محليا هذه فضيحة كبيرة ,, تعب من التفكير وصارعه الحزن حتى نام على صوت صراخ ليلى !!!

معظمنا للأسف يسير على مقولة ” إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب ” ضارباً عرض الحائط بكل معايير إدارة المصروفات ,, مع إحساسه العميق والخوف من كلام الناس وإتهامهم إياه بالفقر أو البخل أو ماشابه ذلك   ,, فيبدأ بالصرف دون تفكير ودون وضع حسابات دقيقة لكل خطوة يقوم بها ,, فضلاً على أنه يقارن نفسه بغيره ممن من الله عليهم بثروات أو ممتلكات ويرى أنهم ليسوا أفضل منه في شيء وعليه تقليدهم والسير على خطاهم .

نحن من نجلب لأنفسنا الضيق والفقر بأفعالنا ,, فلا شيء يؤرق فعلاً كما تؤرقنا المشاكل المادية. ولا شيء يستهلك أعصابنا كما تستهلكها الديون والمطالبات بها. ولا شيء يشعرنا ببغض الحياة  مثل أن يطلب أبناؤنا شراء غرض ما،  فلا نجد في جيبنا المال الذي يغطّيه!

إن المشاكل المادية تجعلنا قلقين غير مرتاحي البال,  ومعظمنا يظن أن مصدر هذه المشاكل هو ضيق الوارد المادي وقلة المال، إلا أن السبب الحقيقي لها هو ”  سوء إدارة المصروف ” أو هو ما عبّر عنه أهلنا الأوائل بـ ”  قلة الحيلة “

إن ما يسمى بـ ” إدارة المصروف ” أمر يمكننا  تعلّمه، وهو غاية في الأهمية,,  لأنه يمكننا من الحصول على متطلباتنا واحتياجاتنا الحقيقية بناءً على البرنامج الذي نضعه لأنفسنا ,, فهي خطوات وآليات إدارة مصاريفنا الشخصية على أساس حجم دخلنا الشهري .

في التسعينات الهجرية كنت لا زلت في طفلة صغيرة لا تعي كل الأحداث التي تحدث أمامها لكن كان هناك يوم لا أنساه بتاتاً ,, هذا اليوم شكل فارقاً في حياتي ,, يوم نزول الراتب !!! كان أبي يدخل البيت حاملاً معه ظرف مليئاً بالنقود  ويستدعي أمي فوراً قائلاً ” يا أم أيمن هاتي  حقيبة المصروف وتعالي فوراً ” تأتي والدتي مسرعة بيدها تلك الحقيبة البنية الصغيرة التي كنت أراها كنزاً متحركا فأنا ما زلت تلك الطفلة الشقية التي تحب الملاهي وتعرف أن هذه الحقيبة هي من ستخرجها لها ,, تخرج أمي ظروفاً بيضاء مكتوب عليها كلمات لم أفهمها حينها ,, ثم تجلس مع والدي ويبدأ العمل بتوزيع تلك النقود على تلك الأظرف التي علمت عندما كبرت بمسمياتها فكان مكتوب عليها  ( الكسوة , الماء والكهرباء , الخضار والفواكه , الخبز , البنزين , الخ ) وعلمت فائدتها حينما كبرت حين تعلمنا بالجامعة الميزانية والمصروفات .

ذلك الحدث أصبحت حدثاً رئيسياً في بيتي بعد الزواج فقد أخذت من أمي تلك الحقيبة الكنز وأستمرت معي لتواكب مصروفاتي الجديدة مع شريك العمر ,, تعلمت من والداي أن إدارة المصروف شي مهم وأساسي لعيش حياة كريمة  ,, وأن وضع ميزانية شهرية هو ما يجعلنا ننجح فيها فنستطيع العيش بطريقة تواكب دخلنا دون اللجوء للديون مع الوضع بالحسبان كافة الظروف المفاجئة التي قد تمر علينا ,, فبهذه الميزانية أستطعت شراء بيت العمر تضامناً مع زوجي لنضمن جدراناً تأوينا عند شيخوختنا .

إذن منالواجب علينا نشر ثقافة الوعي بأهمية إدارة مصروفاتنا بوضع ميزانية شهرية حسب مدخولنا الشهري ,, وأن نبتعد عن النظر لغيرنا ولمصروفاتهم ,, حتى لا نلعن الوقت ونغضب لتأخر الراتب .

إدارة الموقع

نبذة عن ادارة الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى