مقالات إجتماعية

أزمة الهوية

العيش ضمن مجتمع ما في مراحل العمر الأولى ويكون هذا المجتمع محكوماً بقيم ومبادئ أخلاقية وإجتماعية ثم الإنتقال إلى مجتمع أخر أكثر تحرراً وإنفتاحاً أو دعنا نقول متمرداً على القيم والمبادئ السوية تحت مسمى الحرية أو أي مصطلحات أخرى مصطنعة ، وأعني بهذا الطرح أفراد أي مجتمع على وجه الأرض وبدون تحديد ، وبهذا العنوان أعلاه برز عالم النفس الألماني إريك أريكسون في تشخيص ما يحدث لأي شخص تعرض في مراحله المبكرة من النمو وبالتحديد في مرحلة المراهقة لتباين كبير في القيم والمبادئ التربوية والإجتماعية والفشل في تحقيق هوية الأنا أو الذات ، كما يرى أيضاً بأنه يعقب ذلك مرحلة التطور النفسي لهذه الأزمة وإمكانية حدوث مايسمى بمرحلة الإلتباس في المفاهيم تجاه الذات أو العالم أو الآخرين ، فيأتي من ضمنها تكامل أفكارنا أو تشوهها تجاه أنفسنا أوحول مايضنه الأخرين بنا أو حول جمال العالم وسوءه ، وبناءً عليها نقوم بتشكيل صورة ذواتنا سلباً أو إيجاباً فتنشأ أزمة الهوية وتباين القيم والمبادئ عندما تكون النظرة سيئة وغير متوازنة أو تم مقارنتها بثقافات أخرى مختلفة تماماً ، من هنا جاءت رغبة الحديث عن أولئك الذين لديهم فكرة الخروج والمطالبة بالحقوق والحريات وإثبات النفس على أي منبر أو مقام كان ، وهي فكرة في ظاهرها جيدة ولكن يجب التركيز على الهدف الأساسي الذي تريد إصلاحه وأن تكون ملماً جيداً بحيثياته وتبعاته ، ولايعني فكرتك بأنك حقوقي وتدعو للقيم والحريات الفردية في مجتمعك بأنك متمرد لا ، بل هذا شيء والتمرد على الوطن والثوابت الدينية والإجتماعية هذا شيء أخر إطلاقاً وهذا هو صلب حديثنا ، فالخلط بينهما يظهرك بمظهر غير لائق وهذا ما أعنيه بعنواني سالف الذكر بل ويوصمك بالتلوّن والأدلجة ، وهذا مايقع فيه كثير من المنبهرين بالغرب أو ممن عاشوا في الخارج لفترة طويلة من الزمن لكنهم لم يحظوا بنشأة أصيلة وثابتة المعالم ، وإذا كنت قد عشت زمناً بالخارج أو كنت ممن أنبهروا بالتقدم الحضاري والمدني هناك ثم أتيت مصدوماً في بلدك وواقعك المختلف كلياً دينياً وإجتماعياً وقيمياً وثقافياً وعُرفياً وعرقياً ، وتدعوا لتوجهات مخالفة بحجة أنك رأيتها هناك نافعة وفيها قيم وعدالة وإنسانية ، فأعلم أيها الحقوقي أو الناشط العائد من هناك بأن لك مجتمع يختلف تماماً في بيئته وثقافته ودينه ، ولك أن تقرأ كتاب بيت الحكمة لمؤلفه جوناثان ليونز وكيف أسس العرب لحضارة الغرب ، كما أن هناك معايير أخرى علمية عالمية لوصف السلوك والقيم وتوضيح ماهو سوي وغير سوي في المجتمعات المختلفة على هذه المعمورة ، فالنخلة إذا إقتلعتها من هنا من بلدي مهبط الوحي وقبلة المسلمين فمن المستحيل أن تنبت في أمريكا أو سدني أو كندا أو استراليا أو بريطانيا نظراً لإختلاف البيئات والمناخ والظروف هناك ، فالبراعة تكمن في التعايش والتقبّل وحسن التفسير للأحداث والسلوك كما تقول النظرية المعرفية في علم النفس ، ونحن هنا في مملكتنا نعتز بكل مانملك من مقومات حضرية ومدنية وبكل مامنحنا الله إياه من هبات وخيرات وتراث إسلامي وقيمي على رأسها الحرمين الشريفين ، وإن كنت ترى قصوراً واضحا أو تتبنى فلسفة خاصة فنحن بشر لم يخلقنا الله متساوين أو بفكر واحد ، فالأصل فينا الخطأ وعدم التوافق في كثير من الأمور وهذا الدليل الرباني الذي سأتلوه لك أخيراً من القران الكريم جعله الله حجةً علينا وذكر لنا فيه قصص الأمم التي سبقتنا وذكر إختلافاتهم بوضوح ، فنحن لسنا بدعاً من الأمم ولكننا نسعى لأن نكون أفضل الأمم بما وهبنا الله من عقيدة صحيحة وقيم ومبادئ إسلامية وإنسانية صالحة لكل زمان ومكان فيقول الحق تعالى ( ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) هنا نتفق أنا وأنت على أحد أهم سمات الوجود البشري وهو الإختلاف بجميع أنواعه ، وأعتقد بأن الحل لهذه الأزمة يكمن في الإستقلالية والثقة الذاتية العالية والمبادرة الذاتية بالتحسين بما يتوافق مع واقعك ومبادئك وقيمك ودينك يقول الحق جل في علاه : ( كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس ).

همسة :
إن إشكالية البحث عن الهوية أو مايسمى بأزمة الهوية هي قضية في صلب حياة كل فرد في أي مجتمع كان . وقد تعتبر أكثر حدة في بلدان العالم الثالث نظراً للإنفتاح المفاجئ تحت مسمى العولمة وبالتالي ندخل في مقارنات غير عادلة وجائرة بحق أنفسنا وثقافتنا وتراثنا الحضاري والمدني .

 

محمد بن مرضي |‬

إدارة الموقع

نبذة عن ادارة الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى