مقالات إجتماعية

الصيانة الذاتية .. وصناعة النفس

اختلف علماء النفس كثيراً في مسألة تعريف الشخصية وقد تعددت الاتجاهات في ذلك بشكل كبير , وقد حددها بعض الباحثين على أنها مجموعة الصفات الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية التي تظهر في العلاقات الاجتماعية لفرد بعينه وتميزه عن غيره , ولكن يبدو أن مجموعة الصفات هذه اصبحت معقدة المعالم بسبب الواقع العالمي المنكوس حيث بات الإنسان يعيش غريباً معزولاً عن أعماق ذاته ، بل ويحيا مقهوراً من أجل الوسط المادي الذي يعيش فيه , فقد أصبح الأمر معقداً جداً ويصعب عليه التكيف معه وقد يؤدي في بعض الاحيان للاضطراب النفسي والاجتماعي .
إن هذا العالم التقني والتكنولوجي المتنامي بسرعة فائقة والذي اكتسح حياتنا اليومية قد سبب شرخاً كبيراً في هذا البناء والتكوين الإنساني رغم اختصاره علينا وقتاً وجهداً ومالاً إلا أن ضرره المستقبلي أكثر من نفعه , بل وقد يعطل المهمة الرئيسية التي وضع الانسان من أجلها على الأرض وهي بناءها وعمارتها , وقد يكون خلاص الإنسانية الأكبر من هذا الكم الهائل من الغث المرئي والمسموع والمقروء وشغف المادة , لن يكون إلا بالنمو الروحي والعقلي للإنسان ، وتحسين ذاته وإدارتها داخلياً على نحو أفضل ، وليس في تنمية الموارد المحدودة ذات النفع المؤقت والزائل , فتنمية الشخصية وصناعتها لا يحتاج إلى مال ولا إمكانات ولا فكر معقد ولا تقنيات ، وإنما الحاجة تكمن في الإرادة الصلبة والعزيمة القوية والاستمرار في التعلم والاكتساب والتجربة والتدريب على المهارات الحياتية.
تعلمنا تجارب الأمم السابقة أن أفضل طريقة لمواجهة الخارج وضغوطه الصعبة هي تدعيم الداخل وإصلاح الذات واكتساب عادات جديدة ثم يأتي بعد ذلك النمو والتطور والتمكين , وفي ضوء ذلك لا تنسى هدفك الأسمى والأعلى الذي يسمو فوق المصالح المادية والغايات الدنيوية , وهنا قد لا يواجه المسلم مشكلة في تحديد الهدف الأكبر في وجوده وهو عبادة الخالق كما يجب ، ولكن المشكلة تكمن في الغرق بتفاصيل الحياة وتعقيداتها ، وبالتالي يصبح إحساسنا وشعورنا للهدف ضعيفاً رتيباً مما يجعل توليده للطاقة التغييرية الداخلية لنا لا تصل إلى المستوى المجدي لتنمية الذات , فالقناعة بضرورة التغيير ,واكتساب عادات جديدة أمر مهم في تدعيم ذلك ومنحنا الباعث الداخلي لتحقيقه .
يظن كثير من الناس أن وضعه الحالي جيد ومقبول أو أنه ليس الأسوأ على كل حال ، وبعضهم يعتقد أن ظروفه سيئة وإمكاناته محدودة ، ولذلك فإن ما هو فيه لا يمكن تغييره !! ، والحقيقة أن المرء حين يتطلع إلى التفوق على ذاته والتغلب على الصعاب من أمامه سوف يجد أن إمكانات التحسين أمامه مفتوحة مهما كانت ظروفه , يدعم ذلك ويعززه الشعور بالمسؤولية فحين يشعر الإنسان بجسامة الأمانة المنوطة به ، تنفتح له آفاق لا حدود لها للمبادرة للقيام بشيء ما ، ومن هنا يجب أن يضع نصب عينيه تلك اللحظة التي سيقف فيها بين يدي الله عز وجل فيسأله عما كان منه ، إن علينا أن نوقن أن تقزيم النفس الذي نراه اليوم في كثير من الناس ما هو إلا وليد تبلد الإحساس بالمسؤولية عن أي شيء !!
إن الإرادة الصلبة والعزيمة القوية هي شرط لكل تغيير ، بل وشرط لكل ثبات واستقامة ، وفي هذا السياق فإن ( الرياضي ) يعطينا نموذجاً رائعاً في إرادة الاستمرار ، فهو يتدرب لاكتساب اللياقة والقوة في عضلاته ، وحتى لا يحدث الترهل فإن عليه مواصلة التدريب ، وهكذا فإن تنمية الشخصية ما هي إلا استمرار في اكتساب عادات جديدة حميدة .. وصيتي الأخيرة إذا كنت صاحب همة لا تصبر على طعام واحد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى